ابن حمدون

71

التذكرة الحمدونية

بحضرتي ليكون أوثق له ، فقل له : أنا أفرشها بالبواري ، وحاكمه إليّ . ثم دعي به فأحضر ، فلما استقرّ في مجلسه قال لجعفر بن يحيى : الفرش الذي حلفت بحياة أمير المؤمنين أنك تفرش به داري تقدّم به . فقال له جعفر : اختر ، إن شئت فرشتها لك بالبواري ، وإن شئت بالبرديّ من الحصر . فصيّح واضطرب ، فقال له الرشيد : وكيف كانت القصة ؟ فأخبره ، فقال له : أخطأت يا أبا صدقة إذ لم تسمّ [ النوع ] ولم تحدّد القيمة ، فإذا فرشها بالبواري أو بما دون ذلك فقد وفّى بيمينه ، وإنّما خدعك ولم تفطن أنت ولا توثّقت وضيّعت حقّك . فسكت وقال : نوفّر أيضا البرديّ والبواري عليه ، أعزّه اللَّه تعالى . وغنّى المغنّون حتى انتهى الدّور إليه فأخذ يغنّي غناء الملَّاحين والبنّائين والسّقّائين وما جرى مجراه من الغناء ، فقال له الرشيد : أيّ شيء هذا الغناء ؟ ويلك ! قال : من فرش داره بالبواري والبرديّ فهذا الغناء كثير منه ، وكثير أيضا لمن هذه صلته . فضحك الرشيد وطرب وصفّق ثم أمر له بألف دينار من ماله وقال له : افرش دارك بهذه ، فقال : [ وحياتك ] لا آخذها يا سيّدي أو تحكم لي على جعفر بما وعدني ، وإلا متّ واللَّه أسفا لفوت ما حصل في طمعي ووعدت به . فحكم له على جعفر بخمسمائة دينار فقبلها جعفر وأمر له بها . « 102 » - كان خليلان أديبا يعلم الصبيان الخطَّ والقرآن ، وكان مغنّيا مجيدا . فحدّث من حضره قال : كنت يوما عنده وهو يردّ على صبيّ يقرأ بين يديه : * ( ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ ) * ( لقمان : 6 ) ثم يلتفت إلى صبيّة فيردّ عليها : [ من السريع ] عاد لهذا القلب بلباله إذ قرّبت للبين أجماله فضحكت ضحكا مفرطا لما فعله ، فالتفت إليّ فقلت : ويلك ما لك ! أتنكر

--> « 102 » الأغاني 21 : 219 - 220 .